الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
116
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لأن الإفراد أخف في الكلام لكثرة دورانه . [ 7 - 9 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 7 إلى 9 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) الواو عاطفة على جملة : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [ الشعراء : 5 ] ؛ فالهمزة الاستفهامية منه مقدمة على واو العطف لفظا لأن للاستفهام الصدارة ، والمقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم لا تغني فيهم الآيات لأن المكابرة تصرفهم عن التأمل في الآيات ، والآيات على صحة ما يدعوهم إليه القرآن من التوحيد والإيمان بالبعث قائمة متظاهرة في السماوات والأرض وهم قد عموا عنها فأشركوا باللّه ، فلا عجب أن يضلوا عن آيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكون القرآن منزلا من اللّه فلو كان هؤلاء متطلعين إلى الحق باحثين عنه لكان لهم في الآيات التي ذكّروا بها مقنع لهم عن الآيات التي يقترحونها قال تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ الأعراف : 185 ] ، وقال : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 101 ] أي عن قوم لم يعدوا أنفسهم للإيمان . فالمذكور في هذه الآية أنواع النبات دالة على وحدانية اللّه لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلّا عن واحد لا شريك له . وهذا دليل من طريق العقل ، ودليل أيضا على إمكان البعث لأن الإنبات بعد الجفاف مثيل لإحياء الأموات بعد رفاتهم كما قال تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها [ يس : 33 ] . وهذا دليل تقريبي للإمكان فكان في آية الإنبات تنبيه على إبطال أصلي عدم إيمانهم وهما : أصل الإشراك باللّه ، وأصل إنكار البعث . والاستفهام إنكار على عدم رؤيتهم ذلك لأن دلالة الإنبات على الصانع الواحد دلالة بينة لكل من يراه ؛ فلما لم ينتفعوا بتلك الرؤية نزلت رؤيتهم منزلة العدم فأنكر عليهم ذلك . والمقصود : إنكار عدم الاستدلال به . وجملة : كَمْ أَنْبَتْنا بدل اشتمال من جملة يَرَوْا فهي مصبّ الإنكار . وقوله : إِلَى الْأَرْضِ متعلق بفعل يَرَوْا ، أي ألم ينظروا إلى الأرض وهي بمرأى منهم . و كَمْ اسم دال على الكثرة ، وهي هنا خبرية منصوبة ب أَنْبَتْنا . والتقدير : أنبتنا فيها كثيرا من كل زوج كريم .